محمد بن جرير الطبري
127
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الجهاد قال : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف ، ويغلظ على المنافقين في الحدود . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابن مسعود ، من أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم من الجهاد جهاد المنافقين ، بنحو الذي أمره به من جهاد المشركين . فإن قال قائل : فكيف تركهم صلى الله عليه وسلم مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم ؟ قيل : إن الله تعالى ذكره إنما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر ، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك . وأما من إذا اطلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأخذ بها ، أنكرها ورجع عنها وقال : إني مسلم ، فإن حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه ، أن يحقن بذلك له دمه وماله وإن كان معتقدا غير ذلك ، وتوكل هو جل ثناؤه بسرائرهم ، ولم يجعل للخلق البحث عن السرائر ؛ فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بهم واطلاع الله إياه على ضمائرهم واعتقاد صدورهم ، كان يقرهم بين أظهر الصحابة ، ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبه الحرب على الشرك بالله ؛ لأن أحدهم كان إذا اطلع عليه أنه قد قال قولا كفر فيه بالله ثم أخذ به أنكره ، وأظهر الإسلام بلسانه ، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يأخذه إلا بما أظهر له من قوله عند حضوره إياه وعز على إمضاء الحكم فيه ، دون ما سلف من قول كان نطق به قبل ذلك ، ودون اعتقاد ضميره الذي لم يبح الله لأحد الأخذ به في الحكم وتولى الأخذ به هو دون خلقه . وقوله : وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الجهاد يقول تعالى ذكره : واشدد عليهم بالجهاد والقتال والإرهاب . وقوله : وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يقول : ومساكنهم جهنم وهي مثواهم ومأواهم . وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يقول : وبئس المكان الذي يصار إليه جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ . . . وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ . . . عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا اختلف أهل التأويل في الذي نزلت فيه هذه الآية ، والقول الذي كان قاله ، الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله . فقال بعضهم : الذي نزلت فيه هذه الآية : الجلاس بن سويد بن الصامت . وكان القول الذي قاله ما : حدثنا به ابن وكيع ، قال : ثنا معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ قال : نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت ، قال : إن كان ما جاء به محمد حقا ، لنحن أشر من الحمير فقال له ابن امرأته الجلاس بن سويد : والله يا عدو الله ، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت ، فإني إن لا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤاخذ بخطيئتك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الجلاس ، فقال : " يا جلاس أقلت كذا وكذا ؟ " فحلف ما قال ، فأنزل الله تبارك وتعالى : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو معاوية الضرير ، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة ، قال : نزلت هذه الآية : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ في الجلاس بن سويد بن الصامت ، أقبل هو وابن امرأته الجلاس مصعب من قباء ، فقال الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا ، لنحن أشر من حميرنا هذه التي نحن عليها فقال مصعب : أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وخشيت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط ، قلت :